الرئيسية / تراجم / الإمام علي بن محمد اللخمي القيرواني
الإمام علي بن محمد اللخمي القيرواني

الإمام علي بن محمد اللخمي القيرواني

14/05/2026 21:16

كان الإمام علي بن محمد اللخمي القيرواني من كبار فقهاء المغرب الإسلامي، وأحد الأئمة الذين أرسوا منهجًا نقديًا راسخًا داخل المدرسة المالكية، حتى صار مرجعًا في الفتوى والنظر والترجيح، وإليه انتهت رئاسة الفقه في إفريقية في عصره.

نشأ في القيروان، تلك المدينة التي كانت آنذاك قلب العلم في المغرب، فتلقى علومه على كبار الشيوخ، وتربّى في مجالس الفقه والحديث والأصول، حتى برع في الفقه المالكي براعةً لافتة، وظهر نبوغه في سن مبكرة، فطار صيته في الآفاق.

ثم نزل صفاقس بعد اضطراب الأحوال وزحف بني هلال على القيروان، فكانت له هناك هجرة علمية مباركة، إذ جعل من صفاقس مركزًا للعلم والتعليم، فقصده الطلاب من مختلف الأمصار، وتخرج على يديه أئمة كبار، من أشهرهم الإمام أبو عبد الله المازري، وابن بشير، وابن رشد، والقاضي عياض، وغيرهم ممن صاروا أعلام المذهب.

وكان اللخمي إمامًا نظّارًا، قويّ الحجة، واسع الاطلاع، لا يقتصر على النقل، بل يمارس النقد والترجيح، وينظر في الأقوال بأدوات فقهية دقيقة، حتى عُدّ مؤسسًا لاتجاهٍ نقدي داخل المذهب المالكي، يعتمد على تحليل الأدلة وموازنة الروايات لا مجرد التقليد.

ومن أعظم آثاره العلمية كتابه “التبصرة”، وهو شرح وتحليل واسع على “المدونة”، جمع فيه أقوال العلماء، وحرّر مسائل المذهب، وناقش الاختلافات، ورجّح بينها بما يظهر له من الدليل، حتى صار هذا الكتاب من أهم مصادر الفقه المالكي المعتمد، وممن بنى عليه فقهه المتأخرون.

وقد امتاز أسلوبه العلمي بالجرأة المنضبطة؛ فكان لا يتقيد بالراجح المشهور إذا ظهر له خلافه بالدليل، مما جعل بعض العلماء يعدّونه من المجددين في طريقة النظر داخل المذهب، مع بقاء انتمائه الكامل لأصوله.

وكان مع علمه الغزير متواضعًا في مجلسه، حسن الخلق، يقصد الناسُ مجلسه من كل جهة، وتنتشر فتاواه في البلاد حتى قيل إنها “طارت في الآفاق”، وصار اسمه مقرونًا برياسة العلم في إفريقية.

توفي بصفاقس سنة 478هـ، بعد حياة طويلة في التدريس والتأليف والتأثير، ودفن خارج أسوارها، وبقي قبره معروفًا يقصده الناس، كما بقيت آثاره العلمية حيّة في كتب المذهب، شاهدةً على عقلٍ فذّ، ومنهجٍ نقديّ متقدم، جمع بين عمق الفقه وجرأة التحقيق.

العودة إلى التراجم