الرئيسية / تراجم / الإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني
الإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني

الإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني

14/05/2025 21:09

كان الإمام عبد الله بن أبي زيد القيرواني عَلَمًا شامخًا من أعلام المغرب الإسلامي، وإمامًا جمع بين رسوخ العلم وصفاء العبادة، حتى لُقّب بـ “مالك الصغير”، لما ظهر فيه من فقهٍ راسخ، وتمسكٍ بمذهب الإمام مالك، وقدرةٍ نادرة على تهذيبه وتقريبه للناس.

وُلد بالقيروان، تلك الحاضرة التي كانت يومئذٍ منارات العلم في الغرب الإسلامي، فنشأ في بيت علم وديانة، وأقبل على الفقه منذ صباه إقبال العاشق المتيّم. أخذ العلم عن كبار فقهاء القيروان، ورحل للحج، فسمع من علماء المشرق، وزادته الرحلة نضجًا وسعة اطلاع، حتى صار مرجع أهل المغرب وإمامهم في الفتوى والتعليم.

وكان ابن أبي زيد ممن جمعوا بين العلم والعمل، فلا يُرى علمه منفصلًا عن خلقه وزهده وإحسانه. وقد شهد له القاضي عياض بأنه حاز “رئاسة الدين والدنيا”، إذ اجتمع حوله الطلاب من مختلف الأقطار، وكثر الآخذون عنه، ونبغ على يديه فقهاء حملوا علمه إلى الآفاق.

ولم يكن مجده في التعليم وحده، بل في التأليف أيضًا، فقد خلّف تراثًا علميًا عظيمًا ملأ بلاد المغرب والأندلس. ومن أشهر آثاره كتاب “النوادر والزيادات”، الذي صار من أعمدة الفقه المالكي، وكتابه “الرسالة” الذي اختصر فيه أصول الدين والفقه بأسلوب بديع واضح، حتى قيل إنه ألّفه وهو في السابعة عشرة من عمره، فكان معجزةً مبكرة تدل على نبوغه الفريد.

كما صنف كتبًا كثيرة في العقيدة والتفسير والسلوك والفقه، كلها تدل على عقلٍ ناضج، وقلبٍ مملوء بالإيمان، وروحٍ متشبثة بمنهج السلف، بعيدة عن الجدل والتكلف. وكان يرى أن العلم عبادة، وأن صفاء العقيدة أصل النجاة، فعاش ثابتًا على منهج أهل السنة، لا يشتغل بالكلام ولا بالخوض فيما لا ينفع.

وعلى جلالة قدره في العلم، كان كريم النفس، واسع البر، ينفق على الطلبة والفقراء بسخاء، ويعين المحتاجين، ويواسي الغرباء، حتى صار مضرب المثل في الإحسان. ولم يكن عطاؤه طلبًا لمحمدة الناس، بل كان أثرًا طبيعيًا لقلبٍ امتلأ رحمةً وإيمانًا.

وكانت له هيبة العلماء الصادقين؛ إذا ذُكر اسمه اقترن بالوقار والفضل، وإذا تحدّث الناس عن فقه المالكية ذُكر في مقدمة أئمتهم. وقد أحبه الناس في حياته، ورثاه الشعراء بعد وفاته، لما رأوا فيه من نور العلم وسمت الصالحين.

توفي الإمام ابن أبي زيد القيرواني في أواخر القرن الرابع الهجري، بعد أن ترك مدرسةً علميةً كاملة، وخلّف آثارًا بقيت قرونًا تُدرّس وتُحفظ، فصار بحق أحد الأعمدة التي قام عليها المذهب المالكي في المغرب الإسلامي، ورمزًا خالدًا للعالم الذي جمع بين الفقه، والتربية، والزهد، والإصلاح.

العودة إلى التراجم