الرئيسية / تراجم / الإمام علي بن زياد العبسي التونسي
الإمام علي بن زياد العبسي التونسي

الإمام علي بن زياد العبسي التونسي

14/05/2026 21:06

كان الإمام علي بن زياد التونسي من أوائل الأعلام الذين أضاءوا سماء إفريقية بعلمهم وورعهم، حتى صار اسمه مقرونًا ببدايات النهضة المالكية في المغرب الإسلامي. جمع بين الفقه الراسخ، والحفظ المتين، والزهد الصادق، فكان في عصره مرجع الناس في الفتوى، وإمامهم في العلم والدين، حتى قيل: “لم يكن بإفريقية مثله”.

نشأ بمدينة تونس، وفيها تفتّحت نفسه على حب العلم، فرحل إلى المشرق يحمل شغف الطالب الصادق، فسمع من كبار الأئمة، كالإمام مالك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وابن لهيعة، ونهل من علومهم حتى عاد إلى بلاده ممتلئًا نورًا ومعرفة.

وكان أعظم ما حمله معه إلى المغرب “موطأ الإمام مالك”، فكان أول من أدخله إلى إفريقية، ففتح بذلك بابًا جديدًا للفقه والعلم، وأرسى لبنات المذهب المالكي في تلك البلاد. ولم يكن ناقلًا للعلم فحسب، بل كان مربيًا وموجّهًا، تتلمذ على يديه كبار الأئمة، أمثال سحنون بن سعيد التنوخي وأسد بن الفرات والبهلول بن راشد، وغيرهم ممن صاروا بعده أعلامًا يقتدى بهم.

وكان أهل القيروان إذا اختلفوا في مسألة، كتبوا إليه يسألونه الفصل فيها، لثقتهم بعلمه وعدله، حتى قال سحنون: “ما أنجبت إفريقية مثل علي بن زياد”. ولم يكن ذلك الثناء وليد علمه وحده، بل لما عرف عنه من ورعٍ عظيم، وعبادةٍ خاشعة، ونفسٍ زاهدة لا تطلب جاهًا ولا دنيا.

وقد عُرف بدقته في حفظ العلم وضبطه، حتى صار مضرب المثل بين أهل عصره، وكان سحنون يقول فيه: “لو كان لعلي بن زياد من الطلب ما للمصريين ما فاته منهم أحد”، إشارةً إلى علوّ منزلته بين العلماء.

عاش الإمام علي بن زياد حياة هادئة ملؤها التعليم والعبادة، بعيدًا عن صخب السلطان، منصرفًا إلى خدمة العلم ونشره، حتى توفي سنة 183هـ، بعد أن ترك أثرًا عظيمًا في تاريخ المغرب الإسلامي، إذ كان الجسر الذي عبرت عليه علوم الإمام مالك إلى إفريقية والأندلس.

وبقي ذكره خالدًا في كتب التراجم والفقه، لا بوصفه عالمًا فحسب، بل بوصفه رجلًا حمل العلم بأمانة، ونقله بروح العابد الزاهد، حتى استحق أن يكون من الرواد الأوائل الذين مهّدوا لمجد المدرسة المالكية في المغرب.

العودة إلى التراجم