الرئيسية / تراجم / الإمام سحنون بن سعيد التنوخي
الإمام سحنون بن سعيد التنوخي

الإمام سحنون بن سعيد التنوخي

14/05/2026 21:00

كان الإمام سحنون بن سعيد التنوخي عَلَمًا من أعلام المغرب الإسلامي، وركنًا راسخًا من أركان المذهب المالكي، جمع بين نفاذ البصيرة، وصرامة الحق، وصفاء الزهد. وُلد بالقيروان سنة 160هـ، فنشأ في بيئة علمٍ وديانة، وأخذ عن شيوخ بلده حتى اشتدّ عوده، ثم حمله الشغف بالمعرفة إلى الرحلة في طلب العلم، فطاف بتونس ومصر والحجاز، ولازم كبار أصحاب الإمام مالك، ونهل من معينهم الصافي.

وكان الفقر يحول بينه وبين لقاء الإمام مالك نفسه، فكان يتحسّر على ذلك قائلاً: «لولا الفقر لأدركت مالكًا»، غير أنّ الله عوّضه بعلوّ الهمة، حتى صار من أعظم حَمَلة المذهب ورواته. وقد شهد له معاصروه بحدّة الذكاء وجودة النظر، حتى غلب عليه لقب “سحنون”، وهو طائر يُضرب به المثل في قوة البصر.

عاد إلى القيروان سنة 191هـ، فعادت معه هيبة العلم ورونق الفقه، فأحيا مذهب مالك في إفريقية، والتفّت حوله القلوب قبل العقول، وصار مجلسه مقصد الطلاب من المغرب والأندلس، حتى قيل إن رواة علمه بلغوا سبعمائة رجل. ولم يكن علمه مجرد حفظٍ وتلقين، بل كان علمًا ممزوجًا بالورع والخشية والزهد، فكان شديد التواضع، خشن الملبس، قليل الالتفات إلى الدنيا، يعيش من عمل يده في غروس الزيتون، ويباشر الحرث بنفسه.

وكان إذا أقبل الليل قام إلى الصلاة والتهجد، حتى وصفه العلماء بقولهم: “راهب هذه الأمة”. ولم يكن يخشى في الحق سلطانًا ولا أميرًا، بل كان ثابت الجنان، صلب الموقف، يردّ المظالم، ويقيم العدل، ويؤدب الظالم مهما علت منزلته. فلما تولى القضاء سنة 234هـ، أدخل إصلاحات عظيمة في شؤون الناس والأسواق، فحارب الغش، ونظّم القضاء، وأقام الأمناء، حتى صار عصره مضرب المثل في العدل والنزاهة.

وكان كريم النفس، واسع السماحة، ينفق ماله في وجوه الخير، ويفدي الأسرى، ويعين المحتاجين، لا ينتظر من سلطان جزاءً ولا شكورًا. وقد اجتمع له من الهيبة والمحبة ما لم يجتمع لغيره، حتى قال العلماء: “انتهت إليه رئاسة العلم بالمغرب”.

ومن أعظم آثاره كتاب “المدونة”، الذي صار عمدة المذهب المالكي وأحد أجلّ كتب الفقه الإسلامي، حتى شبّهها بعضهم بأمّ القرآن في مكانتها بين كتب المذهب.

توفي الإمام سحنون سنة 240هـ بالقيروان، بعد حياة ملأى بالعلم والجهاد والإصلاح، فبكاه الناس والعلماء والشعراء، وبقي ذكره خالدًا في صفحات التاريخ، مثالًا للعالم العامل، والقاضي العادل، والزاهد الذي جمع بين نور العلم وهيبة الحق.

العودة إلى التراجم