هذا هو الشيخ الجليل، والأصولي الفقيه، والخطيب الأريب، سيدي محمد الأخوة الزيتوني المالكي – رحمه الله تعالى –؛ المولود بمدينة تونس في نهج «الصوردو» الملاصق لنهج «تربة الباي»، وذلك في الخامس والعشرين من جويلية سنة 1913م. نشأ في بيت علم ومجد وشرف، وبعد أن حفظ نصيباً وافراً من القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية، وجهه عمه الشيخ بلحسن الأخوة (المتوفى سنة 1954م) إلى التعليم الزيتوني... فتتلمذ الشيخ الأخوة على كبار علماء الزيتونة العامرة، من أمثال: محمد المختار بن محمود، ومحمد الصادق الشطي المساكني، ومعاوية التميمي، ومحمد الهادي العلاني، ومحمد المنستيري، وغيرهم... ثم ختم هذه المرحلة الحافلة بحصوله على «شهادة التطويع» في العشرين من جويلية سنة 1935م، ثم «شهادة العالمية» في الخامس عشر من جويلية سنة 1939م، ليرتقي بعدها إلى رتبة «مدرس بالطبقة الثانية» سنة 1942م، ثم «مدرس بالطبقة الأولى» سنة 1953م. وإثر الاستقلال، انتقل الشيخ للتدريس بمعهد ابن خلدون ومعهد ابن شرف، ومنه إلى التدريس بالكلية الزيتونية مع بداية العام الدراسي 1970 / 1971م.
باشر الشيخ الأخوة الإمامة منذ شبابه في جامع «الحِلق» نيابة عن عمه، ثم سُمّي إماماً خطيباً بالجامع الأحمدي بالمرسى بتزكية من أستاذه العلامة الشيخ محمد العزيز جعيط (مفتي الجمهورية آنذاك)، فباشرها بكل اقتدار وأمانة وصدق، إلى أن أُقيل منها سنة 1960م بسبب جرأته في الحق؛ وهو الذي قال في شأنه الشيخ العميد محمد الشاذلي النيفر – رحمه الله –: (حين أُسندت إليه خطابة الجامع الأحمدي لم يكن خطيباً زائفا، بل صدع بالحق وانتقد ما يجب انتقدُه من الحياة التي نعيشها، فعُوقب بأن عُزل عن ممارسة هذه الخطة).
وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً، عُيّن مجدداً إماماً خطيباً بجامع «الأمان» بمنفلوري سنة 1973م، واستمر في أداء هذه المهمة النبيلة إلى أن عُزل مرة أخرى سنة 1993م. وإلى جانب ذلك، كانت للشيخ دروس نافعة في عدد من المساجد البارزة، في مقدمتها: الجامع الأعظم، وجامع صاحب الطابع، وجامع سيدي البشير وغيرها، تركزت جميعها على علوم العقيدة، والفقه المالكي، والسيرة النبوية العطرة.
و نسوق ضمن هذه السطور شهادة قيمة لسماحة مفتي الجمهورية الشيخ هشام بن محمود في حق مترجمنا : رحم الله الشيخ العلامة الفقيه محمد الأخوة، وجازاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وبقطع النظر عن الروابط الأسرية الجامعة بيننا، فإنني سأحاول تناول شخصيته بقدر من الموضوعية والإنصاف؛ إذ نالني شرف التتلمذ عليه والاستفادة من علمه باعتباره من الجيل الذي برز من الأعلام بعد رحيل هامات الزيتونة وأعلامها الأبرار.
ولعل من أبرز مميزات راحلنا -إضافة إلى تمكنه العلمي، وبخاصة في أصول الفقه والفقه المالكي تحديدا، علما بأنه من أسرة شريفة أندلسية يمتد انتسابها إلى سيد الأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم- سماحته وتواضعه ورفعة أخلاقه.
وهو من علماء الزيتونة الذين تميزوا بالقدرة والجمع بين التدريس والمحاضرة للتلاميذ والطلبة، والإمامة وإلقاء الدروس على أصناف متعددة من مختلف الأعمار والمؤهلات العلمية والمستويات. وهو سير منه على نهج هاماتنا الكبرى، كالمشايخ الأعلام أسيادنا: محمد عباس، محمد الزغواني، وأحمد بن ميلاد (رحم الله الجميع)، حيث كانوا يلقون الدروس في الجوامع والمساجد، وبخاصة في جامع الزيتونة المعمور أدام الله عمرانه، بعيدا عن التظاهر، وفي إطار من الأنوار والبركات.
ولا أنسى لشيخنا وأستاذنا ذلك الدعم الذي لقيته منه يوم ابتلينا، وقد حمل صهره الدكتور الأعز البشير قرجي أمانة بلغها لي بعد رحيله، تمثلت في رسالة وجهها لي تدعوني إلى الصبر والثبات، والذود عن الزيتونة معلما وأعلاما، والثقة في الله ونصره. وهو الدور الذي نؤديه اليوم بعون الله بأمانة واستماتة وإصرار رغم المكائد والارباك، ولكنها أقدار الله.
إنها الأمانة لهؤلاء الأعلام الأفذاذ، وانه الذود عن رسالتك الشامخة يا سيدي يا رسول الله.
(الثلاثاء 15 ربيع الأنور 1444 هـ الموافق لأكتوبر 2022 م
هشام بن محمود)
التحق فقيدنا بجوار ربه في السادس والعشرين من ربيع الأنور سنة 1415هـ، الموافق للثالث من سبتمبر سنة 1994م، عن عمر ناهز الثمانين عاماً، وقد أبّنه فضيلة الشيخ مصطفى كمال التارزي بكلمات مؤثرة.
رحم الله شيوخ الزيتونة العامرة، وجزاهم عن الأمة خير الجزاء، وحفظ من بقي منهم.
منقول من صفحة الاستاذ محمد ايمن القربي