الشيخ محمد الخطوي دغمان
ولد في 20 فيفري 1921 بتونس، وحفظ القرآن وهو في سن مبكرة تقريباً في الثالثة عشرة من عمره على شيخه الفاضل عبد الجواد البنغازي المدرّس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة المعمور لعلم القراءات، أخذ عنه علوم القرءان وحفظ عنه جل المتون
تدرّب على التراويح هو وأترابه تحت رعاية شيخه الجليل وهو في الحادية عشرة من عمره بمسجد الأبراج بنهج سيدي عبد السلام الملاصق للكتاب الذي تعلّم فيه.
وقد لازم شيخه وأصبح من تلاميذه المقربين ومعاونا له في التدريس وتعليم القرءان حتى سنة 1959 تاريخ وفاة شيخه المذكور.
انتصب للتعليم والإملاء بعدد غير قليل من المساجد والأماكن، كمسجد الصوّافة بالزاوية منشئ البكرية، ثم وبعد وفاة الشيخ عبد العزيز الباوندي ناشر الإملاءات القرآنية في تونس خلفه سنة 1940 بجامع صاحب الطابع وتتلمذ عليه الشيب والشباب الذكور والإناث المتعلمون والأميّون، فذاع صيته وأضحى جامع يوسف صاحب الطابع يعجّ بالإملاءات القرآنية، بلغت ثماني حلقات دامت زهاء النصف قرن من الزمان.
وبعد وفاة الشيخ أحمد بن ميلاد برّد الله ثراه، خلفه سنة 1971 في جامع الزيتونة المعمور في تحفيظ القرءان حتى وفاته، وانتصب لإمامة التراويح بالجامع الأعظم من سنة 1974 إلى سنة 2009
لازم الشيخ رحمه الله المسجد الجامع «يوسف صاحب الطابع» بالحلفاوين بتونس مرابطا زهاء نصف قرن بين صلاتي المغرب والعشاء، متنقلا بين حلقات تعليم القرءان (الإملاءات أو الملّة) وذلك خلال سائر شهور العام. أما في شهر رمضان فكان يجلس في هذا الجامع من وقت الضحى إلى صلاة العصر، فيتوافد عليه تلاميذه الذين يؤمّون الناس في التراويح وذلك ليستظهروا عليه الورد القرآني المقدّر عادة بحزبين ونصف الحزب فرادى، ثم تتم قراءة هذا الورد جماعة مرّتين مع الأداء والالتزام بالأوقاف الهبطية المشار إليها في المصاحف بـ ص أو صه .
هذا، وكان طيب الله ثراه، يشرف أيضا بمدرسة يوسف صاحب الطابع على إملاء أسبوعي للبنات (كل يوم سبت بين صلاتي الظهر والعصر) اللاتي حصلن على نصيب لا بأس به من القرآن حفظا وأداء، ومن بينهن على سبيل الذكر لا الحصر: الدكتورة وردة التركي، منيرة شقرون، شاذلية العرفاوي... أما أيام الآحاد فيأتي إلى الجامع إثر صلاة الصبح ولا ينصرف منه إلا بعد الزوال حيث يشرف على الإملاء الأسبوعي الجماعي والفردي ويعينه في ذلك ثلة من تلاميذه.
وجامع أبي يحيى السليماني (المعروف بجامع البرج): لقد أمّ الشيخ الخطوي المصلين في الصلوات الخمس بهذا الجامع منذ الثمانينات من القرن الماضي إلى آخر أيام حياته وأحدث به إملاءات قرآنية بين صلاتي المغرب والعشاء، أقبل عليها الناس إقبالا تلقائيا بكل جدّ ولازموه بها، إلى أن تمّ منعها بذلك القرار المشؤوم سنة 1997. وأمّ الناس فيه في صلاة التراويح وله خطة قارئ على الختمة بالجامع المذكور.
وجامع الجنائز بباب الجزيرة المعروف بجامع سيدي البشير: أشرف على إملاء قرءاني بهذا الجامع بداية من ثمانينات القرن الماضي.
جامع «خير الدين» بالضاحية الشمالية بتونس: أشرف فيه على إملاء جماعي ... جوامع «الزرارعية» و «الفتح» و «البرادعية»
بتونس و «بلال» بالوردية؛ كما أشرف المغفور له على رسكلة أئمة الخمس والمؤذنين بتلك الجوامع صحبة ثلة من السادة الوعاظ ويشاركهم في ذلك المنعم المبرور الحافظ القارئ المقرئ الورع الشيخ محمّد علي الدلاعي لمدة عشرة أعوام أو تزيد، شعارهم في ذلك الآية الكريمة «لا نريد منكم جزاء ولا شكورا».
كما تولى بجامع الزيتونة الإملاء الأسبوعي (إثر صلاة العصر من كل سبت) منذ سنة 1971 إلى سنة 2010، حيث ختم به عدة ختمات آخرها بسورة يوسف.
هذا وقد كان رحمه الله عضوا دائما في جميع اللجان القرآنية منذ تأسيس جمعية المحافظة على القرءان الكريم خلال الستينيات من القرن الماضي حيث عمل ضمنها صحبة جمع من المشايخ المتخصصين في العلوم القرءانية أمثال: الشيخ محمود شاكيس، الشيخ محمّد علي الدلاعي، الشيخ محمّد الكلبوسي، والشيخ هويسه، وغيرهم وذلك تحت إشراف المرحوم محمود الباجي ثم الشيخ الشاذلي النيفر وشيخ المقرئين محمّد الهادي بلحاج، والصادق بلحاج، ويونس بن شعبان...
وقد كان يرأس لجنة المحكّمين إلى غاية سنة 2010 في المسابقة الدولية لحفظ القرآن الكريم التي تنظمها وزارة الشؤون الدينية.
ونذكر شهادات فيه من المرحوم الشيخ أحمد بن ميلاد حيث كان يلقّبه «بشاطبي تونس»، و من الشيخ محمّد علي الدلاعي الذي قال «إن حفظه لا نظير له » وسند مترجمنا في القرآن متصل بالمصطفى خير الأنام صلى الله عليه وسلم من شيخه عبد الجواد البنغازي إلى شيخ القرّاء بالبلاد التونسية إبراهيم بن سليمان المارغني، إلى الشيخ علي النوري الصفاقسي، إلى الشيخ الأفراني إلى عمدة المقرئين و شيخ المحققين محمّد بن محمّد الجزري، إلى الإمام الحافظ أبي عمرو الداني، وهو الذي جمع القراءات واختار الروايات وأسانيده معروفة في القراءات مبثوثة في كتبه.
انتقل شيخنا المنعم الخطوي دغمان إلى الرفيق الأعلى ليلة السبت 12 محرم 1432 هجري الموافق لـ 18 ديسمبر 2010 وشيّعته في موكب مهيب جموع غفيرة من تلامذته وطلبته ومحبّيه، ومن عموم الناس في العاصمة، وممن قدموا من جهات عديدة من في مساء مشهود بعيون باكية وقلوب خاشعة وصلي عليه بالبطحاء قبلة مقبرة «سيدي يحيى» بتونس رحمه الله رحمة واسعة و برّد ثراه و جعل الجنة مثواه.
[مقتطف من مجلة الهداية للشيخين عبد المنعم دغمان ومحمد نجيب بن منصور / العدد 181 السنة 39 صفر ؛ ربيع الأول 1433 هج / جانفي/ فيفري 2012- ص 93 - 94 - 95]
منقول من صفحة الاستاذ محمد ايمن القربي